الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
128
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
استعمال المشترك في معنييه . والفقير صفة مشبّهة أي المتّصف بالفقر وهو عدم امتلاك ما به كفاية لوازم الإنسان في عيشه ، وضدّه الغني . وقد تقدّم عند قوله تعالى : إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما في سورة النساء [ 135 ] . والمسكين ذو المسكنة ، وهي المذلّة التي تحصل بسبب الفقر ، ولا شكّ أنّ ذكر أحدهما يغني عن ذكر الآخر ، وإنّما النظر فيما إذا جمع ذكرهما في كلام واحد ؛ فقيل : هو من قبيل التأكيد ، ونسب إلى أبي يوسف ومحمد بن الحسن وأبي علي الجبائي ، وقيل : يراد بكلّ من الكلمتين معنى غير المراد من الأخرى ، واختلف في تفسير ذلك على أقوال كثيرة : الأوضح منها أن يكون المراد بالفقير المحتاج احتياجا لا يبلغ بصاحبه إلى الضراعة والمذلّة . والمسكين المحتاج احتياجا يلجئه إلى الضراعة والمذلّة ، ونسب هذا إلى مالك ، وأبي حنيفة ، وابن عباس ، والزهري ، وابن السكّيت ، ويونس بن حبيب ؛ فالمسكين أشدّ حاجة لأنّ الضراعة تكون عند ضعف الصبر عن تحمّل ألم الخصاصة ، والأكثر إنّما يكون ذلك من شدّة الحاجة على نفس المحتاج . وقد تقدّم الكلام عليهما عند قوله تعالى : وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ في سورة النساء [ 36 ] . و الْعامِلِينَ عَلَيْها معناه العاملون لأجلها ، أي لأجل الصدقات فحرف ( على ) للتعليل كما في قوله : وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ [ البقرة : 185 ] أي لأجل هدايته إيّاكم . ومعنى العمل السعي والخدمة وهؤلاء هم الساعون على الأحياء لجمع زكاة الماشية واختيار حرف ( على ) في هذا المقام لما يشعر به أصل معناه من التمكّن ، أي العاملين لأجلها عملا قويا لأنّ السعاة يتجشّمون مشقّة وعملا عظيما ، ولعلّ الإشعار بذلك لقصد الإيمان إلى أنّ علّة استحقاقهم مركّبة من أمرين : كون عملهم لفائدة الصدقة ، وكونه شاقّا ، ويجوز أن تكون ( على ) دالّة على الاستعلاء المجازي ، وهو استعلاء التصرف كما يقال : هو عامل على المدينة ، أي العاملين للنبي أو للخليفة على الصدقات أي متمكّنين من العمل فيها . وممّن كان على الصدقة في زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم حمل بن مالك بن النابغة الهذلي كان على صدقات هذيل . وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ هم الذين تؤلّف ، أي تؤنّس نفوسهم للإسلام من الذين دخلوا